تأتي اللغة العربية في مصاف اللغات الأكثر تأثيرًا والأوسع انتشارًا في العالم، ولعل الأرقام التي رصدها بعض الباحثين منذ عام مضى تقربنا من الوقوف على مرتبة اللغة العربية ومكانتها بين بقية اللغات؛ فقد ذكروا أن أكثر من 550 مليون نسمة حول العالم يتحدثون العربية، نحو 300 مليون منهم تعد العربية لغتهم الأم، ونحو 250 مليونًا يتخذونها لغة ثانية، وهي بهذا تحتل المرتبة الرابعة بين لغات العالم في عدد المتحدثين بعد الصينية والإنجليزية والإسبانية.
وليس من الغريب ولا العجيب أن تتبوأ اللغة العربية تلك المكانة؛ إذ إنها تستمد قيمتها ومكانتها من كونها الأداة الأصيلة في سرد وإخراج وصياغة الثقافة الإسلامية -خصوصًا- والعربيةعمومًا، وغير خاف على أحد ما لهاتين الثقافتين من معنِيِّين كثر ينتمون إلى أجناس وأعراق وإثنيات تطال بتأثيرها والتفاعل معها كافة أرجاء المعمورة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نرى أن ثمة عاملاً مهمًا أسهم - وبشكل كبير- في تعزيز وثقل هذه المنزلة وتلك المكانة وهو ما يتعلق بنظامها اللغوي الذي يشتمل على جملة من الخصائص والسمات التي تعطيها مميزات لا تتوفر لغيرها من اللغات، ورغم هذه المكانة التي تتبوؤها اللغة العربية والخصائص التي تتفرد بها، إلا أنها لم تسلم من صنوف من التحديات والمعارك التي يراد منها النيل من اللغة العربية أو إضعاف دورها.
وسوف نعرض في هذا المقال لماهية اللغة العربية ونشأتها وتطورها، ونرجئ الحديث عن الخصائص والتحديات إلى وقت لاحق، بمشيئة الله تعالى.
ماهية اللغة العربية
يتألف مصطلح اللغة العربية من جزأين هما (اللغة) و(العربية)، ولطالما تناول العلماء هذين الجزأين بالتعريف والبيان، ولا ضير أن نمر سريعًا على قدر من هذا التناول، ف(اللغة كمصطلح) شغلت حيزًا من اهتمامات العلماء قديمًا وحديثًا؛ تعريفًا وشرحًا واستدلالًا ولم يكن علماء اللغة وحدهم من أظهر اهتمامه بتعريف اللغة كمصطلح، بل شركهم في ذلك علماء الاجتماع وعلماء النفس، كذلك، وقد اشتملت تلك التعريفات على بعض وجوه الاختلاف والاتفاق فيما بينها، ومن المناسب هنا أن نعرض لبعض من هذه التعريفات؛ وصولًا إلى ما يهمنا وهو القدر المتفق عليه في التعريف لهذا المصطلح بين أولئك العلماء على اختلاف مشاربهم.
فقد عرفها -مختصرًا- أبو الفتح ابن جني في "الخصائص" بأنها: "أصـوات يعـبر بها كل قـوم عـن أغراضهم". وبقريب من ذلك يأتي قول ابن سنان الخفاجي في "سر الفصاحة" والذي عرفها بقولـه: "هـي مـا يتواضـع القـوم عليـه مـن الـكلام" وبينما نجد عالما آخر، وهو عبد القاهر الجرجاني والذي نراه يتوسع في تعريفها حيث يرى أنهـا: "عبـارة عـن نظـام مـن العلاقـات والروابـط المعنويـة الـتي تسـتفاد مـن المفـردات والألفـاظ اللغويـة بعـد أن يسـند بعضهـا إلى بعـض ويعلـق بعضهـا ببعـض، في تركيـب لغـوي قائـم علـى أسـاس الإسـناد".
ومن علماء الاجتماع نقف مع تعريف ابن خلدون والذي عرفها في مقدمته بقوله:" اعلـم أن اللغـة في المتعـارف عليـه، هـي عبـارة المتكلـم عـن مقصـوده، وتلـك العبـارة فعـل لسـاني ناشـيء عـن القصـد بإفـادة الـكلام، فلابـد أن تصـير ملكـة متقـررة في العضـو الفاعـل لهـا وهـو اللسـان، وهـو في كل أمـة بحسـب اصطلاحاتهـا"، أمـا علمـاء النفـس فـكان لهـم تعريـف خـاص للغـة فهي عندهم "مجموعـة إشـارات تصلـح للتعبـير عـن حـالات الشـعور، أي عـن حـالات الإنسـان الفكريـة والعاطفيـة والإراديـة، أو أنهـا الوسـيلة الـتي يمكـن بواسـطتها تحليـل أيـة صـورة أو فكـرة ذهنيـة إلى أجزائهـا أو خصائصهـا، والـتي بـها يمكـن تركيـب هـذه الصـورة مـرة أخـرى في أذهاننـا وأذهـان غيرنـا، وذلـك بتأليـف كلمـات ووضعهـا في ترتيـب خـاص" والذي يتضح لنا من خلال هذه النقولات المختلفة التي تعنى بتعريف ( اللغة) أن ثمة تباينًا بين أولئك المعرفين وثمة اتفاقا بينهم كما ذكرنا آنفا والذي يعنينا في هذه العجالة أن نرصد ما توافقوا عليه، حيث حصل التوافق بينهم على كون اللغة أداة اتصال من خلال التخاطب والتفاهم بين الناس، كما أنها أداة للتعبير عن التوجهات والرؤى والأفكار والمشاعر المركوزة في النفوس والعقول.
وأما فيما يتعلق بالجزء الثاني من المصطلح وهو ( العربية ) فذلك نسبة إلى جنس العرب، شأنها في ذلك شأن بقية اللغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية .... إلخ، حيث تنسب كل لغة منها إلى الجنس الذي تنتمي إليه، غير أننا نلاحظ أن ما يميز العربية عن غيرها في هذا الصدد أن مادة الاشتقاق لها وللقوم المنسوبة إليهم (ع. ر. ب) تومئ وبشكل واضح إلى اللغة والكلام والإفصاح، ولا أظن أن هذا الملحظ متوفر لدى أي من اللغات الأخرى، وأراه موضوعًا جديرًا بالبحث والنظر والاستقصاء، يقول الخليل بن أحمد في "العين" مبينا معنى هذا الجذر: "وأعرب الرجل: أفصح القول والكلام". وقال الرازي: "و( أعرب) بحجته أفصح بها ولم يتق أحدًا.
وفي الحديث: «الثيب تعرب عن نفسها» أي تفصح" وقال الزمخشري:" عرب لسانه عرابة، وما سمعت أعرب من كلامه وأغرب وهو من العرب العرباء والعاربة وهم الصرحاء الخلص" وقال الجوهري في الصحاح " العرب: جيل من الناس، والنسبة إليهم عَرَبيّ بيِّن العروبة، وهم أهل الأمصار والأعراب منهم سُكّانُ البادية خاصَّة، والنسبة إلى الأعراب أعرابيٌّ؛ لأنه لا واحد له. وليس الأعراب جمعاً لعرب، كما كانَ الأنباط جمعاً لنَبَطٍ، وإنما العرب اسم جنس والعرب العاربة هم الخُلَّصُ منهم، وأخِذ من لفظه فأُكدَّ به، كقوله ليل لائل وربما قالوا: العرب العَرْباء وتعرَّب، أي تشبَّه بالعرب وتعرَّبَ بعد هِجْرَتِهِ، أي صار أعرابيًا"، وفي المُغرِب"واختلف في نسبتهم فالأصح أنهم نسبوا إلى (عربة) بفتحتين وهي من تهامة؛ لأن أباهم إسماعيل - عليه السلام - نشأ بها".
نشأة اللغة العربية وتطورها
"تعود أصول اللغة العربية إلى العائلة السامية، وهي واحدة من العائلات اللغوية القديمة التي تضم لغات مثل العبرية والآرامية. وقد ذهب مؤرخو اللغات مذاهب شتى في هذا الأمر، فمنهم من رأى أن المهد الأول للساميين كان بلاد الحبشة، ومنهم من ذهب إلى أنهم نشأوا في شمال أفريقيا، ومنهم من قال إن الساميين انحدروا من بلاد أرمينية، ومنهم من قال إنهم قدموا من جنوب العراق، ومنهم من اختار بلاد كنعان، ولكن كثيرا من المستشرقين يميلون إلى أن المهد الأول للساميين كان القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية في بلاد الحجاز ونجد واليمن"، وتجدر الإشارة إلى أن عدّ العربية ضمن العائلة السامية لا يروق لعدد من الباحثين في العربية، وعلى قولهم هذا أدلة تكسبه حظا لا بأس به من الوجاهة، ويحتاج بسطها والتعرف عليها إلى مقام آخر.
ولا ريب أن الفصل في هذا النزاع بحاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث المستقلة، ولا شك أن اللغة أخذت حظها من التطور متأثرة بروح كل عصر وثقافته السائدة، وبمراجعة تاريخية سريعة نستطيع الوقوف على أهم تلك التطورات التي لحقت اللغة العربية، حيث يرى بعض الباحثين أن الفترة التي سبقت ظهور الإسلام كانت اللغة العربية محكية في جزيرة العرب، وأن العرب في مكة والمدينة وقبائل قريش وتميم وسواها كانوا يتحدثون لهجات محلية، وكانت الفصحى مقصورة على فنون الشعر والخطابة، مع ظهور الإسلام ونزول القرآن الكريم في القرن السابع الميلادي، تبوأت الفصحى مكانة مرموقة واتسعت رقعتها ليس بين قبائل العرب وحدهم، لكن في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي لقد كان للقرآن الكريم أكبر الفضل وأعظم الأثر في ترسيخ اللغة العربية الفصيحة، وتأسيس ورعاية الهوية اللغوية والثقافية للعالم الإسلامي.
وفي العصرين الأموي والعباسي شهدت اللغة العربية تطورًا كبيرًا، حيث أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة الإسلامية في الدواوين والمكاتبات والمراسلات وغير ذلك ومع توسع الفتوحات الإسلامية، بدأ العديد من غير العرب يحرصون على تعلم اللغة العربية؛ مما أسهم انتشارها على نطاق واسع وقد تميز العصر العباسي على وجه الخصوص بحضور وانتشار لافت للغة العربية ومرد ذلك إلى حركة الترجمة الواسعة التي شهدتها تلك الحقبة، حيث أقبل عدد كبير من علماء هذا العصر على ترجمة كثير من الأعمال في شتى الفنون الفلسفية والطبية والرياضية إلى اللغة العربية.
غير أن النصيب الأكبر من عناية العلماء آنذاك كان باللغة العربية – ذاتها- تأصيلًا وتقعيدًا وتقنينًا، وقد شهدت تلك الحقبة بروز كوكبة من علماء العربية الأفذاذ الذين أسهموا بحظ وافر في نهضة اللغة وتطورها، وكان من أبرزهم تأثيرًا حبر العربية ومؤسس قانونها سيبويه، الذي وضع كتابه "الكتاب" في النحو، وقد أسهمت القواعد والقوانين النحوية والصرفية التي تضمنها (الكتاب) والذي تم تناوله كثيرًا بالشرح له والتحشية عليه والاقتباس منه والعزو إليه : أسهم ذلك وكافة نتاج هذه الحقبة في تجذير اللغة العربية الفصحى وسعة انتشارها.
ومع دخول العصر الحديث، واجهت اللغة العربية تحديات جديدة بسبب التأثيرات الثقافية واللغوية من اللغات الأوروبية، خاصة بعد الاستعمار الفرنسي والبريطاني لبعض الدول العربية، وعلى الرغم من هذه التحديات، فقد استمرت اللغة العربية في الحفاظ على مكانتها كلغة علمية وثقافية، وظهرت محاولات لتحديث المصطلحات والمفردات العربية لتواكب التطورات العلمية والتكنولوجية.