أتيت من غابر الأزمان..

ترفرف أجنحتي فوق السهول والوديان..

أحطّ رحالي في مكان، وأنشر عبيري عبر النسمات والأفنان..

ها أنا ذا أحدثكم، فقد وقعت بين يديكم، مقصوص الجناح، مخروم الوضاح، أتيت إليكم لأسأل عني لا عنكم!

من أنا.. ألم تعرفوني.. ألم تتعرفوا إلى ندائي.. لِمَ أرى كل واحد فيكم خالي الوفاض..

لا يكاد يفهم مقولتي..

انا الحروف العربية.. ألم تفهموا كلماتي..

هل أبعثرها فوق الجبال، وأطير بها نحو عنان السماء..

لأنكم هجرتموها... واستغنيتم بالقليل منها..

تراني أحدثكم فهل من مجيب!

أرمق من خلف الأفق سرابًا..  يتلألأ منه لؤلؤ الغدير، ولكنه سرعان ما يختفي..

لا أريد أن أكون بين يدي أصحابي كالسراب ولا كالغريب..

أعاني الهجر والصدود، وألتمس الوصل والوجود..

نعم بينكم أريد أن أعيش.. فلا تهملوني.. ولا تتركوني أتناثر في أدراج الريح، لأرى في طريقي حروفًا لا أعقلها،  ولكنكم بلا هوادة تتسارعون إليها..

ما تلك ورب السماء والأرضين إلا دخيل جديد، وضيف قعيد، استبدلتموه بي، وجعلتم الدار وساكنيها غرباء، وأحللتم الضيف الأرض والفناء..

نعم.. سمعت عنها في بلاد الفرنج، ومنها تشكلت كثيرُ لغات..

الآن تذكرت.. إنها الحروف الأعجمية..

ولكن عجبًا.. هل كوّنتم منها كلمات خير من كلمات حروفي العربية!

أو أنكم نسيتم أن كتاب ربكم أنزل بحروفي المعروفة لديكم لا بتلك الحروف الأغراب..

أما علمتم أن فاتحة الكتاب لا يصح أن يقرأها أعجمي بغير عربيتها!

أعذركم يابني جلدتي، فلم يسبق لكم التنبيه، ولكنني بعد الآن لا أعذركم فقد أدّيت واجبي لأنقذكم من وبال السقوط والهبوط بترككم لعربيتكم، واستجابتكم لعدوكم، فهو أول من أقصاني وغرّركم بغيري، ووالله ما أراد إلا طمس تاريخ أجدادكم، وبُعدكم عن دين ربكم.. فالسلام هو ما أرجوه لكم.. فأصلحوا لي الجناح، وقوّموا لي ضوء الصباح، واستنيروا بنور كلماتي، وتعرّفوا على جُمَلي وعباراتي، وافتخروا بكنزي العظيم، فلم يأت قبلي ولا بعدي بألفاظ ولا مفردات كالتي عندي..

أحبكم فأنتم أهلي.. فلا تخيبوني ولاتكرهوني..

ولا تتغامزون بمن مررتم بهم وهم يستخدموني..

بقلم: د. فاطمة زهير